روائيون يجدون في العالم الافتراضي عالمًا أكثر واقعية


الكاتب والروائي البرازيلي باولو كويلو

الكاتب والروائي البرازيلي باولو كويلو

قرب انتهاء أحد المؤتمرات التلفزيونية للكاتب والروائي البرازيلي باولو كويلو، بحث عني بين الحضور، ولم يجد صعوبة في رؤيتي في إحدى زوايا الغرفة الحجرية الصغيرة حيث عقد المؤتمر في قصر أثري قديم في مدينة سانتياغو دي كومبوستيلا الإسبانية نظرًا لارتباط المدينة بالحدث آنذاك، عرَّف الحضور بي أولا ثم سألني، إن كان لديّ سؤال قبل أن يُختتم المؤتمر؟ أجبته بالنفي، فقال مبتسمًا: «انتهت فرصتك فلن تكون هناك مقابلة صحافية حصرية خارج الحجرة»؛ لأنه يعرف أنني سأطلب مقابلة صحافية معه. فعلًا يعتذر كويلو عن طلبات كثيرة جدًّا من المقابلات الصحافية التي تصله كل يوم من الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية والمحطات الإذاعية والتلفزيونية حتى المحاضرات، ولذلك يتساءل الناس لماذا يتجاهل روائي يملك جماهيرية عالمية الحضور الإعلامي! الذي يمكن أن يساعده في ترويج أعماله ومؤلفاته الجديدة مع كل حضور!

عُرف عن كويلو شغفه بالبحث عن كل شيء وملاحقة الأحلام والأسئلة التي يتحدث عنها أبطال رواياته، ولذلك فهو ليس بدعًا من الناس في هذه الثورة المعلوماتية وبخاصة في عالم الاتصال والتواصل بين البشر، وجد الروائي البرازيلي في شبكات التواصل الاجتماعي وقبلها المدونات ضالته في عالم الكتابة اليومية القصيرة والتواصل السريع مع الجمهور، استطاع مواكبة كل جديد بدءًا من دخوله عالم التدوين مبكرًا بمقالات قصيرة جدًّا، ونهاية بشبكات التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر وإنستغرام حتى سكايب والآن بريسكوب وسيلة البث المباشر، التي أجهضت ما تبقى من إثارة ورغبة عند الصحافيين بعمل المقابلات الصحافية.

يكنُّ كويلو احترامًا وتقديرًا شديدين لجمهوره حول العالم ولا يخجل من التعبير عن ذلك في أكثر من مرة، يتواصل مباشرة معهم، يشاركهم يومياته، يطلعهم على مراحل أعماله، ويطلب منهم أحيانًا اقتراحات، ويأخذ آراءهم في أمور كثيرة، منها: شكل الغلاف ولونه لكل كتاب جديد، ويكتب دائمًا في تويتر يشكر جمهوره ومتابعيه على اهتمامهم ودعمهم، ويثمن ذلك لهم من خلال الرد على بعض أسئلتهم، وتخصيص أوقات معينة بين وقت وآخر للبث المباشر والحديث مع الجمهور من خلال سكايب أو غيره وبأكثر من لغة، مرة بالبرتغالية ومرة بالإنجليزية.

ينشر أحيانًا روابط إلكترونية مجانية لبعض كتبه، وهو ما يلغي الشك بأن اهتمامه وتواصله مع الجمهور بهذا الشكل الكبير والمتنوع هو من أجل تسويق وبيع أعماله فقط، كتب ذات مرة عن بائع كتب هندي في أحد شوارع نيودلهي يبيع رواياته بلا حقوق أو ترخيص قانوني، كتب أن هذا العمل أشرف من التسول أو السرقة، معبِّرًا عن رضاه التام وعدم انزعاجه، ويقول: إن إيجاد عمل لكسب الرزق الشريف أكثر أهمية من قضية قرصنة كتبه.

كتب في تويتر قبل مدة تغريدة: «لديَّ أكثر من 41 مليون متابع في تويتر وفيسبوك، ثم يشتكي الناشر لأنني لا أعطي مقابلات.. لديَّ اتصال وتواصل مباشر مع الجمهور، فلِمَ الحاجة إلى وسيط بيننا». ولديه حتى هذا التاريخ ما يقارب من 15 مليون متابع في تويتر، و29 مليونًا في الفيسبوك. تساءل هو ذات مرة: لماذا يتعين على الكاتب أن يجعل من صحيفة أو مجلة وسيطًا بينه وبين جمهوره، في حين يستطيع هذا الكاتب الوصول للجمهور مباشرة وإيصال الرسالة إليهم بلا إعادة صياغة أو عناوين مثيرة، تغريدة واحدة تجيب عن سؤال التجاهل المذكور آنفًا، وربما تكشف سر اقتحامه واهتمامه اليومي بهذا العالم الافتراضي الجديد، رغم بدايته في المدونات التي لم تقضِ عليها شبكات التواصل الاجتماعي، فهو مدون مستمر ولا يزال يكتب المقالات القصيرة التي تجعل من القراءة أكثر جاذبية، حيث عرف كيف يجعل من جمهور الشبكات الاجتماعية قُرَّاء دائمين لمدونته ومقالاته بأسلوب قصير رشيق ومثير يتناسب مع معدل السرعة في هذا العالم. رفْضه للمقابلات لا ينبع أبدًا من قلة احترام أو التقليل من الصحف والصحافيين بل لأنه وجد في التواصل مع الجمهور عبر الشبكات الاجتماعية أفضل وأسرع وسيلة وذات طابع شخصي يقرب المسافات ويجعل من العلاقة الافتراضية بين الكاتب والجهور أكثر واقعية وإنسانية.

من لا يملك حسابًا في جمهورية فيسبوك، يعتقد أن كويلو يكتب فقط في تويتر، ومن لا يملك حسابًا في تويتر، يحسب أن الروائي لا يغادر فيسبوك، في حين أنه يكتب هنا وهناك وينشر صوره وجولاته اليومية في أكثر من شبكة بحسب قواعدها ومفهومها، يكتب جملًا أطول في فيسبوك، ويغرد أقل حروفًا في تويتر يلخص فيها فلسفته الروائية بحكمة أو مثل ومقولة، ويخصص إنستغرام لصوره وهو يمارس رياضة المشي اليومية برفقة زوجته الفنانة التشكيلية البرازيلية كرستينا، أو عند التقائه أصدقاءه ونزهاته معهم. تواصله المباشر مع الجمهور جعله في اتصال دائم مع جمهور من جميع اللغات والشعوب والأديان، وإن صعب على صحيفة بلغة ما من دولة ما الوصول إليه، فهو اختصر المسافات واللغات ووصل إلى الجمهور بشكل أسرع وأسهل من وسائل الإعلام الموغلة في التقليدية.

كويلو الذي تجاوز السبعين من العمر، جعل من تواصله مع جمهوره بهذا الشكل العفوي والمباشر في السنوات العشر الماضية، اختراقًا لمفهوم المقابلة الصحافية التقليدية وفلسفتها، واستطاع أن يصنع لنفسه صورة ذهنية إيجابية وجميلة عند الجمهور، هذه الصناعة التي أتقنها لم تتطلب منه عقدًا كبيرًا مع شركة علاقات عامة أو وكالة إعلامية، بل مجرد جهد وتخصيص وقت يومي واهتمام شخصي منه مع إيمان داخلي يقوم على حب الجمهور وتقديره والاعتراف بفضله على كاتب مثله.

وهذه التقنية الجديدة المتمثلة في الشبكات الاجتماعية التي كسرت الحواجز وتخطت الحدود التي تفصل بين الكاتب والجمهور؛ جعلت من كُتاب عرب آخرين أقل ميلًا وتفضيلًا للمقابلات الصحافية وأكثر عزوفًا عنها، فقد كتبت الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي ردًّا على باولو كويلو في حسابه العربي تقول: «أشاطره الرأي. بدوري على تواصل مع 12 مليون متابع في صفحتي في الفيسبوك وأكثر من مليون متابع هنا (تويتر). ما حاجتي لإعطاء مقابلات أو حضور مؤتمرات. قارئي هنا».

وتقصد هنا شبكات التواصل الاجتماعي، هذا الرد من مستغانمي الذي يعبر فعلًا عن توجه ورغبة لدى كُتاب كُثر غيرها في التواصل مباشرة مع جمهور القراء وعدم انتظار قرار مجلة أو قناة تلفزيونية بعمل مقابلات معهم وترويج حملاتهم والمشاركة في صياغة رسائلهم المجتمعية والثقافية، ومن أسباب ذلك كما تقول مستغانمي ذات مرة: «اعتزلت التلفزيون منذ سنوات هربًا مما ألحقته بي الأخبار العربية من أذى»؛ لذلك تقوم مستغانمي بصناعة صورتها بنفسها وصيانتها، وصياغة رسالتها من دون الحاجة إلى وسيلة إعلامية تشاركها ذلك.

مستغانمي عاشت تجربة جديرة بالاحترام في تواصلها الافتراضي مع الجمهور وعدم انتظارها أو اعتمادها على وسيلة إعلامية لإيصال تجربتها ورسالتها المتمثلة في دفاعها عن التراث الجزائري الوطني وحمايته من السرقة والانتحال؛ حيث قادت حملة مع مجموعة من الجزائريات شارك فيها الآلاف من الجزائريين بينهم عشرات المشاهير، حملة «البس جزائري في العيد» كانت عبارة عن احتجاج عبر مواقع التواصل الاجتماعي ضد جهات خارجية متهمة بالسطو على التراث الجزائري المادي واللامادي وبخاصة اللباس ومن ثم نسبته إلى بلدها.

وعندما بدأت مستغانمي حملتها وهي ترتدي لباسًا تقليديًّا عبارة عن «برنوس شاوي وصخاب من العنبر» لم تنتظر حصولها على مانشيت صحافي أو مشهد صحافي عابر ينتهي بنهاية ذلك اليوم، بل شاركت صورها باللباس التقليدي مع جمهورها الكبير في شبكات التواصل الاجتماعي على الفور، حيث طالبت «بيوم رسمي للزيّ التقليدي الجزائري»، وتضع الروائية الجزائرية صورتها باللباس التقليدي عنوانًا لها في تويتر وتنشر صورًا مماثلة بين وقت وآخر في حساباتها حيث تستثمر الشبكات الاجتماعية في نشر أخبارها، والأهم تكريس رسالتها الثقافية النبيلة للمحافظة على تراث وطنها.

وهناك أيضًا عدد من الكتاب والشعراء الآخرين في الدول العربية الذين يفضلون الكتابة في تويتر أو فيسبوك والتواصل مع الجمهور على تسجيل حوار صحافي أو انتظاره الذي قد يتأخر كثيرًا ويتلوّن قليلًا حتى يصل إلى الجمهور، وعلى النقيض تمامًا نجد هناك كُتابًا وروائيين عربًا وبعضهم من فئة الشباب لم يدخلوا الشبكات الاجتماعية بعد، وبعضهم دخلوها ولكن لم يتواصلوا مع أحد قط، أو ربما تحدثوا بفوقية وغطرسة مع الجمهور الحقيقي الذي غادر حساباتهم وهم غافلون، ومن يتابعهم إما زميل وصديق أو شخص عابر لا يفقه شيئًا بالأدب أو الثقافة، وربما جمهورهم عبارة عن حسابات وهمية. صارت حسابات بعضهم أشبه ما تكون بإعلانات الصحف المبوبة، يستخدمون الشبكات الاجتماعية باتجاه واحد فقط؛ لنشر الإعلانات من دون تفاعل وحوار حقيقي مع المتابعين من ردود وتعليقات وإعجابات، فما زالوا يعيشون في زمن الورق وانتظار يوم الطباعة التالي، وعدم معايشة اللحظة التفاعلية مع الجمهور التي خلقتها شبكات التواصل.

وبعيدًا من الثقافة وفي جانب سياسي محض استعرضت مجلة «كولومبيا جورناليزم ريفيو» التي تصدرها كلية الصحافة في جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك الأميركية، أهم الأحداث الصحافية خلال العام الماضي 2017م. حيث أشارت إلى أن تغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تويتر، كانت سببًا في تقليل قدرة الصحافيين على تحقيق سبق وحوار صحافي معه، إضافة إلى أنها تسببت في عزوفهم عن إجراء مقابلات صحافية معه؛ لأنه يكرر ما كان يقوله في تويتر، ولا يضيف شيئًا جديدًا، وهذا الأمر يسري أيضًا على ضعف رغبة الصحافيين في الحوار مع المثقفين والروائيين المنخرطين في الشبكات الاجتماعية، ولدى الرئيس الأميركي أكثر من 47 مليون متابع في تويتر، أكثر من متابعي قناة سي إن إن، وصحيفتي واشنطن بوست ونيويورك تايمز، كل على حدة، وهي وسائل الإعلام التي اشتهرت بمهاجمة ترمب لها بشكل مستمر، واتهامها بنسج الأخبار الكاذبة؛ لذلك يلجأ يوميًّا إلى تويتر لإيصال رأيه بسرعة من دون تعديل.

وبسبب هذه الهجرة واللجوء إلى الشبكات الاجتماعية من مثقفين وسياسيين يخسر الصحافيون، الذين خسروا سابقًا إثارة وحصرية الخبر الصحافي البسيط، أمرًا آخر وهو سحر المقابلة الصحافية وسبقها ومعلوماتها الجديدة، وإن حصلوا على فتات منها، فهي أقل إثارة وحصرية مما ينشره الكاتب أو الروائي أو حتى السياسي عبر حسابه في تويتر أو فيسبوك، أو تسجيلاته المرئية في يوتيوب أو سنابشات وبريسكوب.

http://www.alfaisalmag.com/?p=9128

http://www.alfaisalmag.com/?p=9128

يمكنك دائما كتابة رد أو تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: